ابن عجيبة
102
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : الصبر : هو حبس القلب على حكم الرب ، فيحتمل أن يراد به ظاهره ، أو يراد به هنا الصوم ، لأن فيه الصبر عن الشهوات . والخشوع في الجوارح : سكونها وذلها ، والخضوع في القلب : انقياده لحكم الرب . يقول الحق جل جلاله : يا من ابتلى بالرئاسة والجاه ، واستكبر عن الانقياد لأحكام اللّه ؛ التي جاءت بها الرسل من عند اللّه ، استعن على نفسك بِالصَّبْرِ على قطع المألوفات ، وترك الحظوظ والشهوات ، وأصل فروعها حب الرئاسة والجاه ، فمن صبر على تركهما فاز برضوان اللّه . وفي الحديث : « وفي الصبر على ما تكره خير كثير » . وقال الشاعر : والصّبر كالصبر مرّ في مذاقته * لكن عواقبه أحلى من العسل أو : وَاسْتَعِينُوا بالصوم وَالصَّلاةِ ، فإن في الصوم كسر الشّهوة وتصفية النفس ، فإذا صفت النفس من الرذائل تحلت بأنواع الفضائل ، كالتواضع والإنصاف ، والخشوع وسائر سنى الأوصاف ، وفي الصلاة أنواع من العبادات النفسية والبدنية ، كالطهارة ، وستر العورة ، وصرف المال فيهما ، والتوجه إلى الكعبة ، والعكوف للعبادة ، وإظهار الخشوع بالجوارح ، وإخلاص النية بالقلب ، ومجاهدة الشيطان ، ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن ، وكف النفس عن الأطيبين « 1 » ، وفي الصلاة قضاء المآرب وجبر المصائب ، ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - إذا حزيه أمر فزع إلى الصلاة ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ أي : شاقة على النفس ؛ لتكريرها في كل يوم ، ومجيئها وقت حلاوة النوم ، إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الذين سكنت حلاوتها في قلوبهم ، وتناجوا فيها مع ربهم ، حتى صارت فيها قرّة عينهم . الذين يتيقنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيتنعمون بالنظر إلى وجهه الكريم ، ويتيقنون أيضا أنهم راجعون إلى ربهم بالبعث والحشر للثواب والعقاب ، وإنما عبّر الحق تعالى هنا بالظن في موضع اليقين إبقاء على المذنبين ، وتوفرا على العاصين ، الذين ليس لهم صفاء اليقين ؛ إذ لو ذكر اليقين صرفا لخرجوا من الجملة ، فسبحانه من رب حليم ، وجواد كريم . اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة واليقين ، حتى لا يختلج قلوبنا وهم ولا ريب ، يا رب العالمين . الإشارة : يا من رام الدخول إلى حضرة اللّه ، تذلل وتواضع لأولياء اللّه ، وتجرع الصبر في ذلك كي يدخلوك حضرة اللّه ، كما قال القائل : تذلل لمن تهوى ؛ فليس الهوى سهل « 2 » * إذا رضى المحبوب صحّ لك الوصل
--> ( 1 ) أي : الأكل والجماع . قاله الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي 451 / 2 . ( 2 ) أرى أن يكون : ( تذلل لمن تهوى فما في الهوى سهل ) .